المقالات التاريخية

الخليفة عمر بن الخطاب فاتح العراق وفارس

الخليفة عمر بن الخطاب فاتح العراق وفارس

لم تبدأ فتوحات العراق في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه من الصفر، بل كانت امتدادًا لما بدأ في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه. فقد قاد المثنى بن حارثة الغارات الأولى على الفرس، ثم أرسل أبو بكر خالد بن الوليد وعياض بن غنم إلى العراق، فانتصر المسلمون في معارك ذات السلاسل والولجة والفراض، وفتحوا أُلّيس والحيرة والأنبار ودومة الجندل.

وعندما أمر أبو بكر خالد بن الوليد بالتوجه إلى الشام ومعه نصف الجيش، ضعفت القوات الإسلامية في العراق وتوقفت حركة الفتح فترةً من الزمن، بينما حافظ المثنى بن حارثة على المناطق التي دخلها المسلمون.

بعد وفاة أبي بكر وتولي عمر بن الخطاب الخلافة سنة 13هـ، بدأت مرحلة جديدة وأكثر اتساعًا من الفتوحات. فقد أعاد عمر تنظيم الجيوش، وأرسل المدد والقادة إلى العراق، وتابع سير المعارك حتى اكتمل فتحه. ثم امتدت الفتوحات في عهده إلى بلاد فارس، فانهارت قوة الدولة الفارسية وفُتحت معظم أقاليمها.

استئناف فتوحات العراق في عهد عمر

توجه المثنى بن حارثة إلى المدينة المنورة لطلب المدد، فوجد أبا بكر مريضًا. وبعد وفاة أبي بكر، دعا عمر بن الخطاب الناس إلى الانضمام إلى جيش العراق، لكنهم ترددوا في البداية خوفًا من قوة الفرس.

شرح المثنى للناس انتصارات المسلمين السابقة، وبيّن ضعف الدولة الفارسية بسبب صراعاتها الداخلية. وكان أبو عبيد الثقفي أول من تطوع، ثم تبعه الناس حتى اجتمع نحو ألف رجل. عاد المثنى إلى الحيرة، ثم لحق به الجيش بقيادة أبي عبيد، لتبدأ سلسلة جديدة من المعارك.

معركة النمارق

أعد الفرس جيشين؛ أحدهما بقيادة نرسي والآخر بقيادة جابان. عسكر نرسي في منطقة كسكر بين دجلة والفرات، بينما تقدم جابان إلى النمارق القريبة من الحيرة.

وصل أبو عبيد الثقفي بجيشه والتقى بقوات جابان في 8 شعبان سنة 13هـ. انتهت المعركة بانتصار المسلمين وأسر جابان وقائدين آخرين، لكن المسلمين لم يعرفوا هويته، ففدى نفسه وخرج من الأسر.

معركتا السقاطية وباقسياثا

هرب جنود الفرس من النمارق وانضموا إلى جيش نرسي، كما أرسلت المدائن جيشًا آخر لدعمهم. أسرع أبو عبيد بمهاجمة نرسي قبل وصول المدد، فهزمه في السقاطية وهرب نرسي من المعركة.

ثم واجه المسلمون الجيش القادم من المدائن بقيادة الجالينوس في باقسياثا، فهزموه أيضًا. وبعد هذه الانتصارات انتشرت القوات الإسلامية في قرى سواد العراق.

معركة الجسر

بعد هزائمهم المتتالية، جهز الفرس جيشًا كبيرًا تدعمه الفيلة. التقى الجيشان عند نهر الفرات، وعبر المسلمون الجسر إلى أرض ضيقة كثيرة المستنقعات.

كانت الغلبة للمسلمين في بداية القتال، لكن الفيلة أرعبت الخيل وفرقت صفوفها، كما قُتل أبو عبيد الثقفي. واستُشهد عدد كبير من المسلمين بين قتيل وغريق، ولم يبقَ من الجيش إلا نحو ألفي مقاتل. وبذلك تعرض المسلمون لأول هزيمة كبيرة أمام الفرس في معركة الجسر سنة 13هـ.

معركة البويب

بعد هزيمة الجسر، حشد عمر بن الخطاب المقاتلين من مختلف القبائل وأرسلهم إلى العراق. قاد المثنى بن حارثة الجيش الإسلامي، والتقى بالفرس في البويب.

تمكن المسلمون من تحقيق انتصار كبير وقتل أعداد كثيرة من الفرس، ثم لاحقوا الجنود المنسحبين وعادوا إلى الانتشار في سواد العراق. أعادت هذه المعركة للمسلمين قوتهم بعد هزيمة الجسر، ومهدت الطريق لمعركة القادسية.

معركة القادسية

اختار عمر بن الخطاب سعد بن أبي وقاص لقيادة الجيش في معركة القادسية. لكن سعدًا أُصيب بجروح منعته من القتال المباشر، فكان يدير المعركة من قصر قريب ويرسل أوامره إلى القادة، وأسند قيادة الميدان إلى خالد بن عرفطة.

جلب الفرس معهم ثلاثة وثلاثين فيلًا لتخويف خيل المسلمين ورجالهم. واستمرت المعركة أربعة أيام، من 13 إلى 16 شعبان سنة 15هـ.

اليوم الأول: يوم أرماث

تفوق الفرس في البداية بسبب الفيلة التي أخافت الخيل والإبل وأجبرت المشاة على التراجع. فأمر سعد بن أبي وقاص الرماة باستهداف قادة الفيلة، وتمكن المسلمون من استعادة توازنهم. استمر القتال حتى المساء، وسقط عدد كبير من الشهداء.

اليوم الثاني: يوم أغواث

سُمي يوم أغواث بسبب وصول المدد من الشام بقيادة القعقاع بن عمرو التميمي. ومالت كفة القتال إلى جانب المسلمين، كما لجأ القعقاع إلى تغطية الجمال بالبرقع والخرق، فبدت مخيفة وأرعبت خيل الفرس وأبعدتها عن ساحة المعركة.

اليوم الثالث: يوم عماس

بدأ المسلمون بنقل الشهداء والمصابين، بينما بقي قتلى الفرس في أماكنهم، مما أثر في معنويات جيشهم. وعادت الفيلة إلى القتال، لكن المسلمين استهدفوها حتى خرجت من الميدان. اشتد القتال بين الطرفين واستمر طوال الليل.

اليوم الرابع: يوم القادسية

في اليوم الأخير اجتمع المسلمون وقويت عزيمتهم، فشنوا هجومًا شديدًا وقتلوا عددًا من قادة الفرس. ثم توجه القعقاع ورجاله إلى قلب الجيش الفارسي بحثًا عن قائده رستم.

كانت الرياح قد اقتلعت خيمة رستم، فهرب واختبأ قرب بغال تحمل الأمتعة. رآه هلال بن علقمة فهجم عليه، ثم لحق به عندما ألقى نفسه في النهر وقتله. كما قتل زهرة بن حوية التميمي القائد الفارسي الجالينوس.

انتهت معركة القادسية بانتصار المسلمين وانهيار قوة الفرس في العراق، وأصبح الطريق مفتوحًا أمامهم للوصول إلى المدائن، عاصمة الدولة الفارسية.

فتح المدائن

بعد هزيمة الفرس في القادسية، أرسل سعد بن أبي وقاص قوات لملاحقتهم. وحاصر المسلمون نهرشير وضربوها بالمنجنيق والسهام، فتسلل الفرس منها ليلًا. دخلها المسلمون في صفر سنة 16هـ، ووجدوا فيها كميات كبيرة من السلاح والعتاد.

وضع الفرس قواتهم على الضفة الشرقية لنهر دجلة، فأعلن سعد حاجته إلى المتطوعين. تقدم ستمئة فارس بقيادة عاصم بن عمرو التميمي، وعُرفت قوتهم بكتيبة الأهوال؛ لأنها عبرت النهر رغم فيضانه ومهدت الطريق لبقية الجيش.

عبر سعد بالجيش نهر دجلة، وطارد المسلمون الفرس حتى دخلوا المدائن. وكان يزدجرد قد هرب بأهله وما استطاع حمله من الأموال والكنوز. حاصر المسلمون القصر الأبيض ثلاثة أيام حتى استسلم من بداخله، ثم دخل سعد إيوان كسرى وجعله مصلى. وبذلك فُتحت المدائن في صفر سنة 16هـ.

أطلس الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وانتشار الإسلام في عهده

فتح جلولاء وحلوان

هرب يزدجرد من المدائن إلى حلوان، وأرسل مهران الرازي بجيش إلى جلولاء. استشار سعد بن أبي وقاص الخليفة عمر، فأمره بإرسال جيش من اثني عشر ألف مقاتل بقيادة هاشم بن عتبة، وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو.

تحصن الفرس خلف خندق، وظلت المناوشات قائمة مدة من الزمن. وفي يوم عاصف سقط بعض الجنود الفرس في الخندق، فاضطروا إلى ردم جزء منه للخروج. استغل المسلمون الفرصة وعبروا الخندق وهزموا الفرس، ففُتحت جلولاء سنة 16هـ.

طارد القعقاع مهران حتى قتله، فهرب يزدجرد من حلوان إلى الجبال. ثم واصل القعقاع طريقه وفتح حلوان بعد هزيمة حاميتها.

فتح تكريت والموصل

تجمع أهل الموصل في تكريت تحت قيادة رجل يُدعى الأنطاق. وعندما علم سعد بن أبي وقاص بذلك، أرسل إليهم جيشًا بقيادة ربعي بن الأفكل العنزي.

حاصر المسلمون تكريت أربعين يومًا، ثم اتفق ربعي مع بعض قبائل المنطقة وتمكن من هزيمة الأنطاق. وبعد ذلك امتدت الفتوحات إلى الموصل، كما فتح المسلمون قرقيساء وهيت وماسبذان.

فتح الأبلة والبصرة

في الوقت الذي كان فيه سعد بن أبي وقاص مشغولًا بفتح المدائن، أرسل عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان المازني إلى البصرة. وكان الهدف تشتيت القوات الفارسية ومنعها من التفرغ لجبهة واحدة.

وصل عتبة ومعه نحو ثمانمئة مقاتل، وأقام مدة دون قتال. وعندما انقطع اتصال الحامية الفارسية بالقوات الموجودة في الشمال، اضطرت إلى الهرب، فدخل المسلمون الأبلة. ثم واجه عتبة بعض القوات الفارسية في المذار وأبرقباذ وانتصر عليها قبل أن يعود إلى البصرة.

بداية فتح فارس

لم يكن عمر بن الخطاب يرغب في البداية في تجاوز حدود العراق إلى فارس، وكان يقول: «وددت لو أن بيننا وبين فارس جبلًا من نار، لا يصلون إلينا منه، ولا نصل إليهم».

لكن الفرس حاولوا استعادة الأراضي التي فقدوها وأشعلوا التمرد في المناطق المفتوحة. واعتمدوا على وجود يزدجرد، الذي كانوا يأملون أن يعيد بناء الدولة الفارسية. لذلك اضطر عمر إلى مواصلة القتال ونقل المعارك إلى داخل بلاد فارس.

فتح الأحواز

استقر يزدجرد في مرو وجعلها قاعدة لحكمه، بينما استقر الهرمزان في الأحواز. خرج الهرمزان بقوة عسكرية من تُستر وهاجم القرى الواقعة بين البصرة وفارس.

توجه النعمان بن مقرن المزني من الكوفة لمواجهته، وانضم إليه مدد من البصرة بقيادة سهل بن عدي. عبر النعمان نهر دجلة والتقى بالهرمزان في ناحية أربك، فهزمه وأجبره على الانسحاب إلى تُستر.

حاصر المسلمون تُستر عدة أشهر، ثم تمكنوا من دخولها بمساعدة أحد سكانها. وأسروا الهرمزان وأرسلوه إلى عمر بن الخطاب في المدينة، فأعلن إسلامه. وبعد ذلك حاصر المسلمون السوس حتى استسلم أهلها.

معركة نهاوند

بعد خسارة العراق والأحواز، حشد يزدجرد جيشًا كبيرًا من خراسان وأصبهان وهمذان وطبرستان والسند وجرجان، وعين مردان شاه قائدًا عليه. اتجه الجيش إلى نهاوند واستعد لمواجهة المسلمين.

عندما وصلت الأخبار إلى عمر، جهز جيشًا بقيادة النعمان بن مقرن، وعين سبعة قادة يتولون القيادة من بعده إذا استُشهد. كما أرسل المدد من البصرة والكوفة.

وصل النعمان إلى نهاوند ومعه نحو ثلاثين ألف مقاتل، فوجد الفرس متحصنين بالخنادق. طلب الفرس التفاوض، فأرسل إليهم النعمان المغيرة بن شعبة. عرضوا على المسلمين الانسحاب مقابل المال، لكن المسلمين رفضوا.

دارت معركة شديدة استمرت يومين، ثم انسحب الفرس إلى تحصيناتهم. ولإجبارهم على الخروج، عقد النعمان مجلسًا عسكريًا ووضع خطة تقوم على تخصيص قوة للكر والفر، بينما يختبئ بقية الجيش بعيدًا عن أنظار العدو.

فتح الفتوح ونهاية قوة الفرس

قاد القعقاع بن عمرو القوة المكلفة باستدراج الفرس. وبعد اشتباك قصير تظاهر المسلمون بالانسحاب، فخرج الفرس من تحصيناتهم وطاردوهم. عندها انقض عليهم الجيش الإسلامي ودارت معركة ضارية استمرت من منتصف النهار حتى الليل.

استُشهد النعمان بن مقرن وعدد من قادة المسلمين، منهم عمرو بن معد يكرب وطليحة بن أسد، لكن الفرس انهاروا في النهاية واستسلمت حامية نهاوند.

دخل المسلمون المدينة وصالحوا أهلها على الجزية، ثم أرسلوا خبر النصر إلى عمر بن الخطاب. وعُرفت نهاوند باسم «فتح الفتوح»؛ لأنها أنهت القوة العسكرية الكبرى للدولة الفارسية وفتحت الطريق أمام المسلمين لدخول بقية أقاليمها.

فتح همذان وأصبهان

بعد نهاوند توجه نعيم بن مقرن والقعقاع بن عمرو إلى همذان، فصالحهم حاكمها على الجزية. لكنه نقض العهد بعد ذلك، فأمر عمر نعيمًا بالعودة إليها مع اثني عشر ألف مقاتل. وعندما رأى أهل همذان سيطرة المسلمين على المناطق المحيطة بهم، طلبوا الصلح مرة أخرى.

كما أرسل عمر جيشًا إلى أصبهان، ودارت معركة كبيرة قُتل فيها القائد الفارسي شهريار بن جاذويه. وبعد القتال والحصار صالح أهل أصبهان المسلمين على الجزية. ثم فتح أبو موسى الأشعري قاشان وقم.

فتح الري وطبرستان وأذربيجان

تجمع أهل الري وأذربيجان في منطقة بواج روذ لمواجهة المسلمين، فتوجه إليهم نعيم بن مقرن وهزمهم. ثم سار إلى الري، وانضم إليه القائد الفارسي الفرخزاد بسبب خلافه مع حاكم المدينة.

تجمعت قوات من جرجان وطبرستان وقومس ودنباوند لقتال المسلمين، لكن نعيمًا تمكن من هزيمتها بمساعدة الفرخزاد. بعد ذلك دخل المسلمون قومس وجرجان وطبرستان بالصلح والجزية، وفتحوا أذربيجان بعد القتال، ثم انتشرت جيوشهم في بقية أقاليم فارس.

فتح كرمان وسجستان

توجه سهل بن عدي إلى كرمان، فقاتل أهلها وهزمهم وفتح المنطقة. وسار عاصم بن عمرو التميمي إلى سجستان، فانتصر على أهلها حتى طلبوا الصلح، فصالحهم على الجزية.

ثم تحركت الجيوش الإسلامية نحو نهر السند، فوجدت أهل مكران قد تجمعوا لمواجهتها. دارت معركة انتهت بانتصار المسلمين، الذين طاردوا القوات المنسحبة ثم أقاموا في مكران.

فتح خراسان

بعد سقوط الري، هرب يزدجرد إلى خراسان واستقر في مرو. فتوجه الأحنف بن قيس إلى خراسان سنة 22هـ، ونجح في فتح هراة، ثم سار إلى مرو الشاهجان وفتحها بعد قتال أهلها، فهرب يزدجرد إلى مرو الروذ.

طارد الأحنف يزدجرد وفتح مرو الروذ، فهرب يزدجرد إلى بلخ. ووصل مدد من الكوفة إلى بلخ، فقاتل قوات يزدجرد وانتصر عليها وفتح المدينة. وعندما أرسل الأحنف خبر الفتح إلى عمر بن الخطاب، أمره الخليفة بألا يتجاوز النهر.

استعان يزدجرد بملك الصغد وخاقان الترك، وعاد بقوات جديدة إلى بلخ ثم تقدم نحو مرو الروذ. حشد الأحنف عشرين ألف مقاتل، واختار موقعًا يجعل الجبل خلف جيشه والنهر بينه وبين الفرس والترك.

استمر القتال أيامًا دون أن يحقق أي طرف انتصارًا حاسمًا، حتى يئس الترك من هزيمة المسلمين وانسحبوا. هرب يزدجرد إلى بلاد الترك، وصالح أهل خراسان المسلمين على الجزية.

وبذلك شهد عهد عمر بن الخطاب فتح العراق ومعظم بلاد فارس، وانهيار القوة العسكرية للدولة الساسانية. وقد تحقق ذلك من خلال حسن اختيار القادة، وتنظيم الجيوش، وإرسال المدد، والمتابعة المستمرة لمجريات الفتوحات.

المصادر

البلاذري: فتوح البلدان.

الطبري: تاريخ الطبري.

ابن الأثير: الكامل في التاريخ.

ابن كثير: البداية والنهاية.

ابن سعد: الطبقات الكبرى.

ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، الجزء الثاني.