المقالات التاريخية

الشعوبية: نشأتها، دوافعها، مظاهرها، وأثرها في الفكر والحياة السياسية والثقافية في الدولة الإسلامية

صورة توضيحية لمقال الشعوبية

مقدمة

شهد التاريخ الإسلامي، منذ قيام الدولة الإسلامية واتساع رقعتها، تفاعلاً واسعاً بين شعوب وأمم متعددة، اختلفت في أصولها ولغاتها وثقافاتها وحضاراتها السابقة. وقد أدى هذا التعدد إلى نشوء حالة حضارية متميزة أسهم فيها العرب والفرس والترك والبربر وغيرهم، وأسفرت عن قيام حضارة إسلامية واسعة امتزجت فيها عناصر متعددة.

غير أن هذا التعدد لم يخلُ من مظاهر التنافس والصراع بين المكونات المختلفة، ولا سيّما في مجال المكانة السياسية والاجتماعية والثقافية. ومن أبرز الظواهر التي ارتبطت بهذا الصراع الشعوبية، التي ظهرت بوادرها في العصر الأموي، ثم برزت واتسعت في العصر العباسي، ولا سيما في الأوساط التي كان يغلب عليها الموالي من ذوي الأصول الفارسية.

ولم تكن الشعوبية ظاهرة واحدة متجانسة؛ فقد بدأت في بعض صورها بالمطالبة بالمساواة بين العرب والموالي، ورفض التمييز القائم على الأصل والنسب، ثم تطورت عند بعض أصحابها إلى نزعة قومية متعصبة تقوم على تفضيل العجم على العرب، وظهرت في بعض الكتابات والأشعار محاولات للحط من شأن العرب ولغتهم وتراثهم، بل تجاوز الأمر عند بعض المتطرفين إلى مواقف اتصلت بالطعن في بعض مقومات الثقافة الإسلامية.

ومن هنا تأتي أهمية دراسة الشعوبية باعتبارها ظاهرة تاريخية وفكرية متعددة الأبعاد، تداخلت فيها العوامل السياسية والاجتماعية والنفسية والقومية والثقافية، وأثرت في الأدب والفكر والسياسة في العصر العباسي.

أولاً: مفهوم الشعوبية

1. المعنى اللغوي

يرتبط لفظ الشعوبية بمفهوم «الشعوب»، وهو اللفظ الذي ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

وقد أصبح المصطلح في الاستعمال التاريخي مرتبطاً بالاتجاهات التي قامت على المفاضلة بين العرب وغير العرب، وبخاصة الاتجاهات التي دافعت عن مكانة الأعاجم ورفضت ما اعتبرته تمييزاً للعرب عليهم.

2. المفهوم الاصطلاحي

يمكن تعريف الشعوبية بأنها:

اتجاه فكري واجتماعي وقومي ظهر في المجتمع الإسلامي، اتخذ عند بعض الاتجاهات صورة تعصب قومي للعجم، ولا سيما الفرس، وصل لدى بعض المتطرفين إلى الانتقاص من العرب ولغتهم وتاريخهم وثقافتهم.

ومن المهم التأكيد أن الشعوبية لا تمثل جميع الموالي، ولا جميع الفرس، ولا جميع المسلمين من غير العرب؛ فقد كان من أعظم علماء الحضارة الإسلامية رجال من أصول فارسية وغيرها، أسهموا في خدمة الإسلام واللغة العربية والعلوم المختلفة.

ثانياً: نشأة الشعوبية وتطورها

1. الشعوبية في العصر الأموي

بدأت البدايات الأولى للشعوبية في البيئة الإسلامية مع اتساع الدولة ودخول أعداد كبيرة من غير العرب في الإسلام. وقد أدى هذا التوسع إلى ظهور مشكلة اجتماعية تمثلت في العلاقة بين العرب الذين كان لهم موقع مركزي في الدولة، وبين الموالي الذين دخلوا في الإسلام من مختلف الشعوب.

وفي بعض مراحل العصر الأموي تعرض بعض الموالي لمظاهر من التمييز الاجتماعي أو الإداري والمالي، الأمر الذي أدى إلى تنامي الشعور بالمطالبة بالمساواة. ومن هنا فإن المرحلة الأولى من الظاهرة ارتبط جانب منها بمطلب المساواة بين المسلمين، وهو مطلب ينسجم مع المبدأ الإسلامي القائم على عدم التفاضل بالعرق والنسب وإنما بالتقوى والعمل الصالح. ومع مرور الوقت، أخذت هذه المطالب تتخذ طابعاً قومياً، خصوصاً لدى بعض النخب التي كانت تحمل اعتزازاً كبيراً بالماضي الحضاري الفارسي.

2. الشعوبية في العصر العباسي

كان قيام الدولة العباسية نقطة تحول مهمة في تاريخ الشعوبية. فقد ساهمت عناصر فارسية بصورة واضحة في قيام الدولة العباسية، كما تولى عدد كبير من الفرس مناصب مهمة في الإدارة والجيش والثقافة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك نفوذ البرامكة في الدولة العباسية، ودور عدد من الشخصيات الفارسية في الجهاز الإداري والسياسي. وقد أتاح هذا النفوذ الجديد انتقال الصراع من مجرد قضية اجتماعية تتعلق بالمساواة إلى منافسة على المكانة السياسية والثقافية.

وفي البيئة العباسية، حيث ازدهرت حركة الترجمة والعلوم والآداب، أصبح التنافس بين الثقافتين العربية والفارسية أكثر وضوحاً، وظهرت مجالس ومناظرات وكتب ورسائل تناولت فضائل العرب والعجم ومثالب كل منهما.

وهنا بلغت الشعوبية ذروة نشاطها الأدبي والفكري.

ثالثاً: الأسباب والدوافع وراء ظهور الشعوبية

1. العامل السياسي

كان فقدان الفرس لدولتهم القديمة وسقوط الإمبراطورية الساسانية أمام الفتوحات الإسلامية حدثاً تاريخياً بالغ الأثر. فقد انتقل الفرس من موقع القوة السياسية والإمبراطورية إلى الخضوع للدولة الإسلامية، التي كان العرب يمثلون قيادتها السياسية والعسكرية في مراحلها الأولى.

وقد أدى ذلك لدى بعض النخب إلى الشعور بفقدان المكانة السياسية السابقة والرغبة في استعادة النفوذ.

ثم أتاحت الدولة العباسية للفرس وغيرهم مجالاً واسعاً للمشاركة في الإدارة والسياسة، فتحول التنافس من مقاومة السلطة إلى محاولة التأثير فيها والسيطرة على مراكز النفوذ.

2. العامل الاجتماعي

كان التفاوت في المكانة بين العرب والموالي في بعض البيئات الإسلامية من أهم العوامل التي ساعدت على ظهور النزعة الشعوبية. وقد وجد بعض الموالي أنفسهم في وضع اجتماعي أدنى من العرب، على الرغم من إسلامهم ومشاركتهم في الحياة الاقتصادية والثقافية والعسكرية.

وكان من الطبيعي أن يؤدي هذا الوضع إلى ظهور أصوات تطالب بالمساواة. لكن بعض الاتجاهات تجاوزت المطالبة بالمساواة إلى تبني موقف مضاد يقوم على المفاضلة بين الأعراق.

3. العامل القومي

كان للتراث الفارسي القديم أثر واضح في تكوين الشعور القومي لدى بعض النخب الفارسية. فقد كانت بلاد فارس تمتلك تاريخاً طويلاً من الدولة والإدارة والعمران والأدب، وكان استحضار هذا الماضي وسيلة لتعزيز الاعتزاز بالهوية الفارسية.

وفي المقابل، اتخذ بعض الشعوبيين من بساطة الحياة العربية قبل الإسلام وسيلة للطعن في العرب، وتصويرهم باعتبارهم قوماً من البدو لا يملكون حضارة تضاهي الحضارات القديمة.

4. العامل النفسي

ساهمت التحولات السياسية الكبرى التي أعقبت الفتوحات الإسلامية في تكوين مشاعر نفسية متباينة. فقد أدى سقوط الدولة الساسانية إلى فقدان طبقة من النخب الفارسية نفوذها السياسي، في حين أدى صعود الدولة الإسلامية إلى انتقال مركز القوة إلى العرب. وقد انعكس هذا التحول لدى بعض الكتاب في صورة حنين إلى الماضي الساساني ومقارنة مستمرة بين الحضارتين.

5. العامل الثقافي

شهد العصر العباسي نهضة ثقافية واسعة، وشارك فيها الفرس بصورة كبيرة. وكانت لهم إسهامات مهمة في الإدارة والترجمة والفلسفة والطب والفلك والأدب. وقد تحول هذه المساهمة الثقافية لدى بعض النخب إلى وسيلة للمفاضلة بين الأمم، فظهرت كتابات تؤكد تفوق الفرس في الحضارة والإدارة والعمران، مقابل التقليل من شأن العرب.

رابعاً: مظاهر الشعوبية

تعددت مظاهر الشعوبية، ويمكن تقسيمها إلى عدة مجالات:

1. المفاضلة بين العرب والعجم

كان هذا من أبرز مظاهرها، حيث ظهرت المناظرات التي تناولت فضائل العرب وفضائل الفرس وغيرهم. وركز الفرس على التقليل من شأن العرب في المجالات الثقافية والسياسية وفي النسب وفي العادات والتقاليد ومظاهر الحياة الاجتماعية.

2. الهجاء الأدبي

استخدم بعض الشعراء الهجاء وسيلة للحط من شأن العرب، فوصفوهم بالبداوة والخشونة وقلة الحضارة، في مقابل تمجيد حياة الفرس وقصورهم وعمرانهم.

3. تمجيد الماضي الفارسي

استُحضرت أخبار الملوك الساسانيين، ولا سيما كسرى وأنوشروان وغيرهما، للتأكيد على عظمة الدولة الفارسية القديمة.

4. التأليف في المثالب

ظهرت مؤلفات تناولت عيوب القبائل والأمم، وكان بعضها موجهاً إلى نقد العرب ومفاخرهم.

5. الدفاع عن الثقافة الفارسية

تمثل ذلك في محاولة إحياء بعض الآداب والتقاليد الفارسية، والترجمة من الفارسية إلى العربية، وإبراز التراث الفارسي القديم.

وهذا المظهر في ذاته لا يمثل موقفاً معادياً للعرب؛ فالحفاظ على التراث القومي مشروع في ذاته، وإنما يتحول إلى شعوبية متعصبة عندما يقترن بالحط من شأن الآخرين أو ادعاء التفوق العنصري.

خامساً: أبرز ممثلي الاتجاه الشعوبي

ارتبطت الشعوبية بعدد من الأدباء والكتاب الذين دار حول مواقفهم جدل كبير.

بشار بن برد

يعد بشار بن برد من أبرز الشعراء الذين ارتبط اسمهم بالشعوبية. فقد كان من أصول فارسية، وظهر في شعره اعتزاز بأصله، كما هجا العرب في بعض قصائده هجاء شديداً.

وقد جعل منه بعض المؤرخين والأدباء نموذجاً للشاعر الذي انتقل من الاعتزاز بالأصل إلى المفاضلة القومية.

سهل بن هارون

كان من الكتاب البارزين في العصر العباسي، وشغل مكانة مهمة في الإدارة والثقافة. وقد ارتبط اسمه بالجدل الشعوبي، ولا سيما في سياق المفاضلة بين العرب والفرس.

أبو نواس

كان أبو نواس من أبرز المجددين في الشعر العباسي، وقد ارتبط اسمه بانتقاد بعض مظاهر الشعر العربي القديم، ولا سيما الوقوف على الأطلال والبكاء على الديار.

غير أن بعض المؤرخين يرى تجديده الشعري كان أوسع من النزعة القومية.

سادساً: مواجهة الشعوبية والرد عليها

أثارت الشعوبية ردود فعل قوية لدى عدد من علماء اللغة والأدب والفكر.

الجاحظ

يعد الجاحظ من أهم الشخصيات التي ناقشت قضايا المفاضلة بين الأمم، ودافع عن اللغة العربية وبلاغة العرب، مع اعتماده على الحجة والبيان. وقد تناول في كتبه ورسائله قضايا تتصل بالعرق واللغة والبيان ومكانة الأمم. ومن أهم ما يميز منهجه أنه لم يجعل التفوق مجرد قضية نسب، بل ربطه بالعلم والبيان والقدرة والإبداع.

ابن قتيبة الدينوري

كان ابن قتيبة من أبرز المدافعين عن الأدب العربي والتراث اللغوي، وقد واجه الاتجاهات التي حاولت التقليل من شأن الشعر العربي واللغة العربية. وتبرز أهمية ابن قتيبة في أنه كان من أصول غير عربية، ومع ذلك أصبح من كبار المدافعين عن التراث العربي، مما يؤكد أن الانتماء الثقافي والعلمي في الحضارة الإسلامية لم يكن مرتبطاً بالعرق وحده.

أبو عبيدة

كان أبو عبيدة من كبار علماء اللغة والأخبار، وأسهمت مؤلفاته في حفظ جانب كبير من التراث العربي القديم. وتبرز أهمية أعماله في الدراسات اللغوية والتاريخية.

سابعاً: الشعوبية والإسلام

تجاوزت الشعوبية في بعض صورها القضية القومية إلى جدل يتعلق بالإسلام واللغة العربية. وقد رأى بعض المتطرفين من الشعوبيين أن الإسلام ارتبط بالعرب لأن القرآن نزل باللغة العربية، والنبي محمد ﷺ كان عربياً. إلا أن هذا التصور يتعارض مع طبيعة الرسالة الإسلامية التي جعلت معيار التفاضل بين الناس قائماً على التقوى والعمل الصالح، لا على الجنس أو النسب.

وقد كان من أبرز مظاهر الحضارة الإسلامية أن علماء كباراً من غير العرب حملوا علوم الإسلام واللغة العربية، ومنهم علماء في الحديث والفقه والتفسير واللغة والفلسفة والطب والفلك. وهذا يؤكد أن الحضارة الإسلامية لم تكن ملكاً لقومية واحدة، وإنما شاركت في بنائها أمم متعددة.

ثامناً: أثر الشعوبية في الأدب والثقافة

كان للشعوبية أثر واضح في تطور الأدب العباسي، إذ ساهم الصراع الثقافي بين العرب والفرس في ظهور أدب المفاضلات والمناظرات. كما أدى التنافس إلى زيادة الاهتمام بالتراث الفارسي وترجمته إلى العربية، وإلى ظهور موضوعات أدبية جديدة.

ومن المفارقات التاريخية أن الصراع بين العرب والفرس أسهم بصورة غير مباشرة في في إثراء الحضارة الإسلامية؛ إذ أدى التفاعل بين الثقافتين إلى انتقال العلوم والخبرات، وتطور الإدارة والآداب والترجمة.

وبذلك أصبحت الحضارة الاسلامية أكثر تنوعاً وثراءً من الحضارات السابقة، وبرز فيها علماء ومفكرون من أصول متعددة.

تاسعاً: الشعوبية والسياسة

لم تكن الشعوبية ظاهرة أدبية فقط، بل ارتبطت في بعض مراحلها بالصراع السياسي على السلطة والنفوذ. فقد كان للفرس دور مهم في دعم قيام الدولة العباسية، ثم أصبح لهم حضور قوي في الإدارة والجيش. وقد أدى ذلك إلى ظهور صراع بين بعض القوى العربية والفارسية حول النفوذ السياسي. كما أن بعض الحركات السياسية المعارضة للدولة الأموية ثم العباسية استثمرت الاختلافات القومية والمذهبية والاجتماعية في تعبئة أنصارها. ومن هنا فإن الشعوبية يجب أن تُفهم في إطار الصراع الأوسع على السلطة في الدولة العباسية ومحاولة بعض الفرس وسعيهم لاضعاف الخلافة العباسية وأحياء دولتهم الفارسية الساسانية.

الشعوبية والفرس بين الحقيقة والتعميم

كان بعض الفرس من بين من إسهم في الحضارة الإسلامية، وبرز منهم علماء كبار خدموا الإسلام واللغة العربية والعلوم المختلفة.

كما أن عدداً من العلماء من أصول فارسية كانوا من أشد المدافعين عن الإسلام واللغة العربية. وعليه فإن الشعوبية ظاهرة فكرية وسياسية محددة مؤثرة اشترك فيها بعض المثقفين والسياسيين من شعوب اسلامية مختلفة وليست صفة عرقية ملازمة للفرس وان كانت من حيث النشأة والدعم والتأثير فارسية.

الشعوبية في ضوء العلاقات العربية–الفارسية الحديثة

الظروف السياسية والاجتماعية تغيرت بصورة كبيرة. فالدولة القومية الحديثة تختلف عن الدولة الإسلامية في العصر العباسي، كما أن مفهوم القومية في العصر الحديث نشأ في ظروف مختلفة. ومع ذلك، فإن دراسة الشعوبية القديمة تساعد على فهم بعض جذور الذاكرة التاريخية والصور المتبادلة بين العرب والفرس، ولا سيما استحضار الماضي الساساني أوالأموي والعباسي في بعض الخطابات القومية.

وقد تظهر في بعض المراحل الحديثة نزعات قومية متشددة لدى تيارات أو جماعات سياسية وثقافية، سواء في الجانب العربي أو الفارسي، وتستخدم التاريخ القديم لتبرير مواقف سياسية معاصرة. لكن هذه الظواهر ينبغي أن تُدرس كل واحدة منها في سياقها التاريخي والسياسي الخاص، ولا يصح تعميم مواقف بعض الحكومات أو التيارات السياسية على جميع أبناء الشعب الإيراني أو الفارسي.

شهدت العلاقات العربية–الإيرانية في العصر الحديث مراحل مختلفة من التعاون والصراع، وتداخلت فيها عوامل متعددة، منها: العامل القومي، والمصالح السياسية والاستراتيجية، والعامل المذهبي والإرث التاريخي للعلاقات بين العرب والفرس.

ومن هنا فإن تفسير السياسات الإيرانية تجاه الدول العربية لا ينبغي أن يقوم على الشعوبية وحدها، بل يجب أن يجمع بين العوامل التاريخية والقومية والسياسية والمذهبية والجيوسياسية. وقد استخدمت بعض التيارات السياسية والثقاقية في أيران الحديثة رموزاً من التاريخ الفارسي القديم، الأمر الذي يدل على استمرار حضور التاريخ خصوصا ظاهرة الشعوبية في تشكيل الوعي السياسي والفكري الحديث بشكل او بأخر.

يمكن القول إن الشعوبية بصورتها العباسية التاريخية لم تعد حركة منظمة بالمعنى الذي كانت عليه في القرون الأولى، إلا أن بعض عناصرها الفكرية، مثل المفاضلة القومية واستحضار أمجاد الماضي والانتقاص من الأمم الأخرى، يمكن أن تظهر بأشكال جديدة في الخطابات القومية الحديثة.

غير أن هذه الظاهرة ليست حكراً على قومية معينة؛ فالتعصب القومي في الغالب يدفع بتحول الهوية من عنصر للتعريف والانتماء إلى وسيلة لإلغاء الآخر أو احتقاره. ولهذا فإن القراءة العلمية للتاريخ تقتضي الفصل بين الهوية القومية المشروعة وبين النزعة العنصرية المتعصبة والتي نجدها ظاهرة لدى الفكر الفارسي الحديث ومؤثرة في سياسة دولها الحديث ويمكن اعتبار ذلك استمرارا للشعوبية بأسلوب ووسائل حديثة.

الخلاصة

تكشف دراسة الشعوبية عن جانب مهم من جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في الحضارة الإسلامية. فقد نشأت في بيئة اتسمت بالتعدد العرقي والثقافي، وبدأت بعض مظاهرها بالمطالبة بالمساواة بين العرب والموالي، ثم تطورت عند بعض الاتجاهات إلى نزعة قومية متعصبة تقوم على المفاضلة بين العرب والعجم.

وكان للفرس حضور بارز في هذه الحركة، بحكم تاريخهم السياسي الطويل، وسقوط دولتهم اثر الفتوحات الإسلامية، ثم مشاركتهم في قيام الدولة العباسية وإدارتها.

وقد انعكست الشعوبية على الشعر والأدب والفكر والسياسة، وأدت إلى ظهور سجالات واسعة حول العرب والفرس، واللغة العربية واللغات الأخرى، ومكانة الحضارات القديمة.

ومع ذلك، فإن الصراع الشعوبي لم يمنع قيام تفاعل حضاري بين العرب والفرس، بل إن هذا التفاعل أسهم في بناء الحضارة الإسلامية التي شاركت فيها شعوب وأمم متعددة.

ومن أهم الدروس التي تقدمها دراسة الشعوبية أن الحضارات لا تُبنى على أساس عرقي واحد، وإنما تتشكل من تفاعل الشعوب والثقافات، وأن التفوق الحضاري لا يرتبط بجنس أو قومية، وإنما بالعلم والإبداع والعمل.

ومن ثم، فإن دراسة العلاقة بين العرب والفرس ينبغي أن تقوم على التمييز بين التراث التاريخي، والنزعات القومية، والسياسات الحكومية، والمواقف الشعبية والثقافية، وعدم تحميل شعب بأكمله مواقف تيار سياسي أو حركة فكرية معينة.

وتبقى الحقيقة الأبرز أن الحضارة الإسلامية استطاعت، رغم الصراعات القومية والمذهبية والسياسية، أن تجمع بين شعوب متعددة تحت إطار حضاري واحد، وأن تجعل من اللغة العربية وعاءً للعلوم والمعارف التي أسهم في بنائها علماء من مختلف الأمم والأعراق.

وهكذا فإن الشعوبية تمثل، في نهاية المطاف، نموذجاً تاريخياً للصراع بين الهوية والانتماء من جهة، وبين التعصب والمفاضلة العنصرية من جهة أخرى، وهي قضية ما تزال ذات أهمية في فهم حركة التاريخ وتطور العلاقات بين الشعوب والدول في المنطقة. وهي بدون شك لا زالت حلقة مؤثرة في توجيه سياسة ايران وكثير من مثقفي الفرس تجاه العرب في التاربخ المعاصر.